الجمعة، 26 يناير 2018

أنا من الفاهرة 8 رأس البر


8 - رأس البـــر


أول مرة نذهب في رحلة عائلية لشاطيء البحر كانت لراس البر، فقد كانت راس البر موضة جديدة ذاك الوقت بعد أن انتشرت صور للمشاهير هناك أمام عششهم (والعشة هو الإسم الذي يطلق في راس البر على الشاليهات التي تصنع غالبا من الخوص ويكون كل الأثاث من البامبو).

ويعود تاريخ راس البر كمدينة على الخريطة المصرية إلى عام 1823، فقد كان مشايخ الطرق الصوفية وأتباعهم بدمياط يسيرون نحو الشمال للاحتفال بمولد الشيخ "الجربي" بمنطقة الجربي جنوب مدينة رأس البر. وكان هدوء المدينة يعطي لهؤلاء المتصوفين الجو الأمثل للتعبد في هدوء وطمأنينة والاستمتاع بنسمات الهواء الباردة في معظم أوقات السنة.

وكانت هذه البداية التي لفتت انتباه التجار الذين ينتظرون السفن المحملة بالبضائع لهذا المكان....

وبدأ تأسيس العشش في عام 1865م حيث أصبحت رأس البر مصطافا رسميا لدى البعض وأخذ شكلها يتدرج من عشش قليلة متفرقة مصنوعة من حصير البردي إلى صفوف منتظمة بين شاطئ النيل والبحر ثم إلى عشش تقام على أرضيات من الخشب والبناء.

ولم تبهر رأس البر الصوفيين والتجار الأوائل فحسب، لكنها سحرت العالم الألماني روبرت كوخ مكتشف ميكروب السل، والذي قال عنها في عام 1883 إن مصيف رأس البر قد يصبح يوما مَلِك المصايف وأشهرها إذ يتميز بموقعه الجميل وهوائه النقي الجاف وشواطئه الذهبية، وبعده عن الضوضاء وهو أقل رطوبة من جو الشواطئ المصرية الأخرى وتكثر في هوائه كمية اليود.

وكان هذا التصريح كفيلا بتحويل نظر العديد من الأثرياء الأجانب إلى المنطقة واستغلالها.




أحد الفنادق التي أقامها الأجانب في رأس البر


ومع بداية الحرب العالمية الثانية "1939 - 1945" زادت الغارات الجوية الألمانية على القاهرة والإسكندرية؛ فكان ذلك الدافع الأكبر لاتجاه الأنظار جديا لرأس البر كمصيف ومكان آمن بعيدا عن الغارات فتحولت المدينة الصغيرة إلى مصيف للعائلة المالكة وعلية القوم من المصريين والجاليات الأجنبية، فكانت المصيف المفضل لأحفاد الخديوي إسماعيل، وأم المصريين صفية زغلول، وكذلك للعديد من الفنانين.




عشة رأس البر قديما

كان البحر بلونه الأزرق الساحر ورائحته المبهجة وهواءه المنعش خيال بعيد المنال لأهل القاهرة ، وعندما أخبرنا أبي أن عمله أقام رحلة لرأس البر فرحنا جدا وبدأت أمي بتجهيز حقائب السفر ومستلزمات الرحلة، استقلينا أتوبيس الرحلات وما أن وصلنا ذهبت كل أسرة إلى العشة الخاصة بها، وعندما رأيت البحر جريت أنا وكل الأطفال إليه ونزلنا بملابسنا ولم ننتظر حتى نرتدي المايوهات.

رؤية البحر تبعث على البهجة وعندما لامست قدمي الشاطيء الرملي والأمواج تنساب وتداعبنا في لطف أحسست بسعادة لم أحسها من قبل.

كان البحر ممتليء بقناديل البحر وبالطبع كانت أول مرة في حياتنا كأطفال نتعرف عليها، فأخذنا نلهو ونلعب بها كأنها كرة جيلي ونضرب بعضنا البعض بها، غير عابئين بتحذيرات الكبار التي بدأت تعلو أن لسعتها حارقة، وما هي إلا دقائق معدودة حتى كنت أصرخ من الألم والنيران التي بدأت تسري في جسدي كله. جريت إلى أمي فصعقت عندما رأتني وجسمي كله شديد الإحمرار، وأخرجت زجاجة خل كانت أحضرتها معها ووضعتها على أماكن اللسع،(وعرفت بعدها أن الخل هو أفضل علاج للسع قناديل البحر) وأحضروا لي مرهما من الأجزخانة ( الصيدلية) وبعد يومين استعدت عافيتي ونشاطي وشقاوتي.

 وكان هناك سلما في البيت المجاور فكنا نتسابق في النزول عليه على البطن والذراعان ممدوتان للأمام كأننا تماسيح تتزحلق على السلم، وكانت زوايا السلالم حادة كنصل السكين فحدث انسلاخ لجلد الساعدين وكانا ذراعاي ينزفان نزفا شديدا فأخذوني للمستشفى وظن الأطباء أنه حرقا من الدرجة الأولى، وطبعا قضيت باقي الإجازة لا أستطيع تحريك يداي، وتركت علامة كأنها حروق في ساعدي مازالت ظاهرة حتى الآن.

كنا في أواخر السبعينات وكانت بعض عشش مشاهير الفنانين مازالت موجودة, وأشهرهم عشة أم كلثوم وفريد الأطرش وأسمهان وسليمان نجيب ويوسف وهبي وفريد شوقي ومحمد الموجي والشيخ محمد متولي الشعرواي والكاتب محمد التابعي والكاتب مصطفى أمين، فكنا نتجول حول العشش عل وعسى أن نرى أحدا في العشش، ولكن معظمها كان مؤجرا.


اما بعد العصر وفي المساء فليس هناك أي نشاط إلا المشي على الجيربي وأكل الجيلاتي واللب والسوداني، والجيربي هو لسان صخري يمتد ويفصل بين نهر النيل وشاطيء البحر المتوسط، وهو كان ولا يزال أجمل مكان وأشهر مَعْلم لرأس البر.

وفيه يصب النيل مياهه بعد رحلة طولها أكثر من 6 آلاف كيلو مترا يقطعها في أراضي عشر دول أفريقية جنوبا، ليصب عند المدينة الساحلية في مشهد رائع وعجيب.

وعندما زارها  المقريزي سماها "مرج البحرين" نسبة للآية الكريمة "وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا" الفرقان 53، بعد أن كانت تسمى قبل الفتح العربي باسم "جيزة دمياط"، أي "ناحية دمياط".




لسان الجربي رأس البر


ولا تستطيع أن تذهب لرأس البر دون الذهاب لمحافظة دمياط وتشتري منها ألذ الحلويات وأشهرها الهريسة والمشبك الدمياطي. فكل من يعرف أننا سنذهب لرأس البر يوصينا أن نشتري له مشبك دمياطي.

ولاحقا سأحكي لكم تاريخ دمياط عندما أذكر قصة معسكر الكلية في دمياط.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق