شنطة حور
1- يوم السفر
بقلم: سوسن سحاب
أحب السفر منذ صغري، وأعشق الرحلات، ورؤية بلاد جديدة ومدن لم أزرها من قبل. تستهويني دائمًا فكرة التجارب الجديدة؛ في الأماكن، والطعام، والمواقع، وكل التفاصيل الصغيرة التي تجعل لكل بلد حكاية مختلفة.
وأحب أن أتعرف إلى الثقافات المتنوعة، العالمية منها والمحلية؛ إلى اللغات واللهجات، والأزياء القديمة والحديثة، والرقصات الشعبية، وطعام كل بلد، بل وحتى نكهات الطعام وتوابله.
ولذلك، أحتفظ في مطبخي بتوابل من معظم البلاد التي زرتها، وكأن لكل علبة منها ذكرى مخبأة في رائحتها.
وأتحين أحيانًا أي فرصة لحضور حفلات الزفاف، ليس فقط لأشارك أصحابها فرحتهم، وإنما لأتعرف إلى عادات الشعوب وتقاليدهم في أعراسهم.
أما الدمى، فلها حكاية أخرى معي…
فمن كل بلد أزوره أحرص على اقتناء دمية ترتدي الزي الوطني لذلك البلد، وأصبحت هذه الدمى هديتي المفضلة التي يختارها لي أصدقائي، لأنهم يعرفون جيدًا شغفي بها.
لكن هذه المرة، لم تكن رحلتنا مجرد زيارة لمكان واحد.
كانت لنا جولات سياحية في أماكن كثيرة داخل مصر، وعدنا ونحن نحمل معنا الكثير من الذكريات والتذكارات والطعام من مدن مختلفة.
جمعت أصدافًا ونجوم بحر من شواطئ الغردقة وسهل حشيش، وحلويات وجبنة رومي من الإسكندرية، ورنجة من بورسعيد، ومانجو من الإسماعيلية…
وعدنا أيضًا بذكريات جميلة، وآلاف الصور التي توثق تقريبًا كل لحظة عشناها.
صور نعود إليها ونحن في الغربة، فنبتسم ونتذكر أيامنا الحلوة.
لكن، رغم كل هذا الحب للسفر…
هناك شيء واحد أكرهه بشدة: يوم السفر.
ومن قبل السفر بأيام، تبدأ فكرة يوم السفر في تنغيص مزاجي.
تحضير الشنط وحده حكاية…
ثم يأتي ركوب الطائرة، وهو أمر لم يكن سهلًا بالنسبة إليّ لفترة طويلة، بسبب خوفي من الطائرات والارتفاعات، وحتى المصاعد كانت تدخل أحيانًا في قائمة مخاوفي!
وفي كل مرة نقرر فيها العودة، تبدأ المعركة المعتادة مع الحقائب.
هذه المرة أيضًا، بدأت الشنط تمتلئ عن آخرها.
وضعت أشياء كثيرة، أكثر مما تحتمل الحقائب، وكعادتي وجدت نفسي في النهاية أنادي بأعلى صوتي:
«حد ييجي يقعد على الشنط عشان أعرف أقفلها!»
جاء زوجي، وضغط بكل قوته على الشنطة الأولى، بينما جلست أنا فوقها بكل ثقلي، حتى استطعنا أخيرًا إغلاقها.
واحدة تلو الأخرى، انتهينا من إغلاق شنط العائلة:
شنطة زوجي…
وشنطة ابنتنا الكبيرة حلا…
وشنطتي…
وبقيت شنطة واحدة فقط.
شنطة حور… آخر العنقود.
نظرت إلى الشنطة، ثم ناديت ابنتي الكبيرة حلا:
«حلا، تعالي ساعديني في ترتيب شنطة أختك الصغيرة.»
كانت شنطة حور تحتاج إلى ترتيب خاص؛ ملابسها، وألعابها، وإكسسواراتها الجميلة، وكل الأشياء الصغيرة التي لا يمكن أن تخرج حور من البيت من دونها.
وقلت لحلا، وأنا أستعجلها:
«خلصي شنطة حور بسرعة… عشان نلحق نقفل كل حاجة قبل السفر.»
ولم أكن أعرف وقتها…
أن شنطة حور التي كنت أتعامل معها باعتبارها آخر مهمة في تجهيز السفر، ستصبح بعد ذلك جزءًا من حكاية لن أنساها ما حييت.

