أنــا مـن القـاهـــرة
6- صانعة المعجزات
6- صانعة المعجزات
موقف تاني أكد لي أن كل ما أراه من مواقف على الشاشة لنساء شجاعات ينحني خجلا أمامها.....
كان يسكن تحتنا مباشرة جيران العمر وقد تركوا شقتهم وانتقلوا لمكان آخر ولكنهم مازلوا يحتفظون بالشقة إلا من أقل القليل مما لا يحتاجونه أبدا.
وفي ليلة شتوية حوالي الساعة الثالثة فجرا سمعت وقع أقدام وحركة داخل شقة الجيران
فنزلت أمي لأسفل ووجدت باب شقة الجيران مفتوحا والشقة مظلمة فدخلت وقامت تنادي بأعلى صوتها على صاحبة الشقة....(أم وليم جارتنا) يا أم وليم ؟؟ يا أم وليم؟؟ انتي هنا يا أم وليم ؟؟ يا وليم؟؟ يا عفيفة؟؟ وكان الحرامي داخل البيت ( والحمد لله أنه لم يحاول ضربها) وعندما سمع صوتها خرج مسرعا من البيت .
استيقظت من نومي كما استيقظ أبي والجيران على صوتها، وبدأت أبواب الشقق تفتح وعندما نزل الجميع كان اللص قد هرب من دقائق وبدأ الكل يلومها على دخولها واللص موجود بالشقة.....
هذا الموقف ملأني بالفخر إنها أمي.....وتذكرت أن قدماي تسمرت خوفا وكنت أصرخ عليها أن تخرج حتى لا تتعرض للأذى....ولكني كنت صغيرة جدا وقتها أن أجيب هذا التساؤل....هل يمكن لإنسان أن يدفع حياته ثمنا للدفاع عن حرمة بيت الجيران الأقباط؟؟
كانت رحمها الله مثقفة جدا...كانت تجلس يوميا على الكنبة بجوار الشباك تقرأ جريدة الأهرام وتبدأ من الصفحة الأخيرة بعمــود الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين ثم صفحة الوفيات...ثم باقي الجريدة خبر خبر وكلمة كلمة...وبعد أن ضعف نظرها كنت أنا أقرأ لها الجريدة ( وآخد منها جنيها أو أكثر ثمن القراءة).
كانت زيارة المساجد كل جمعة هي رحلتها المفضلة...ذهبت معها لمعظم مساجد مصر وليس القاهرة فقط وسأحكيها لكم بالتفصيل لاحقا.....
أما الموقف الذي علمتني فيه معنى العروبة والوطنية وقيمة الصداقة فكان وقت غزو الكويت كنا ذاهبين في رحلة للأسكندرية لشاطيء المعمورة أنا وأمي وصديقتي هدى الإماراتية..
وكنا ننوي المكوث لأسبوع أوعشرة أيام ، فدخلنا الشقة نظفناها ثم أفرغنا الشنط ووضعنا ملابسنا في الدواليب .في اليوم التالي لوصولنا للأسكندرية رأينا في التليفزيون خبر غزو صدام للكويت،أحزنا الخبر طبعا لكن لم نفكر أنا وهدى في أكثر من ذلك...
لكن أمي بكل حزم وصرامة قررت قطع الرحلة والعودة بنا إلى مصر،يا ستي واحنا حنعمل ايه لما نقطع أجازتنا؟ قالت إزاي نتفسح وننبسط واخواتنا بيحاربوا بعض؟؟!!!
وعندما انتهت اجازتي السنوية وحان موعد رجوعي للإمارات شعرت بالخوف من الإشاعات التي انتشرت وقتها بأن صدام يمتلك قنابل نووية وسيدمر الخليج بأكمله، وقلتلها لن أرجع الإمارات أنا خايفة من النووي ، فقالت لي صديقتك لم تركك في الحلوة تسيبيها انتي في المُـرة ؟؟؟ ترجعي معاها وربنا معاكم انتوا الاتنين، ولما رجعنا الإمارات أصرت أم هدى (ماما نورا) أن أترك سكن المدرسات الذي كنت أسكن فيه وخصصت لي غرفة في الفيلا، حتى أكون معهم في هذا الوقت العصيب...
كما قلت كانت أمي هي الكبيرة بين اخواتها وجيرانها وأصدقائها، وكانت المواسم والمناسبات السعيدة فرصة لصنع بعض الأكلات المصرية التي لا تتم إلا في جماعات نسوية، وكان أهم تلك الأكلات هي (المفتقة) و (الكسكسي) و (كحك العيد) و (العيش البيتي) و (المربات).
فكانت الجارات تتجمع عندنا وكل واحدة معها معداتها وأدواتها ومستلزمات الأكلة ويفرشوا سجادة قديمة وتجلس صاحبة الخبرة في هذه الأكلة لإعطاء التعليمات ومساعدة الآخرين لإنجاز المهمة.
وكنت كما قلت من قبل أكره جدا المفتقة ورائحتها وأكره البيت وقت ما يتم صنعها، فكانت الرائحة لا تخرج من البيت لا بالبخور ولا أي روائح عطرية،وهي أكلة تصنع مخصوص للنحيفات لزيادة وزنهم بسرعة لما بها من سعرات حرارية عالية،لكن المصريات كانوا بيحبوها عشان المعتقدات القديمة (إنها بتخلي الجسم مدور ومربرب) وكانوا يحمصون السمسم في السمن البلدي ويطحنون الحلبة الحصى ثم يضعونها على السمسم ويضيفوا الدقيق ويقلبون ثم يضعوا العسل الأسود ويقلبوا حتى يصبح اللون غامقا والقوام سميكا مثل المربى فيضاف السوداني المحمص ويقلب ثم تعبأ في برطمانات محكمة وتستمر عدة شهور في المنزل.
وكذلك كانوا يصنعون الكسكسي وكحك العيد في رمضان قبل عيد الفطر وكنت أحب الكسكسي جدا خاصة بالسكر الناعم، وكانت أمي تحبه مثل المغربي باللحم والخضار.
وطبعا كنا الصغار لنا دورا لا يقل أهمية عن دور الكبار خاصة في كحك العيد، فكنا نساعد في نقش الكحك بالمناقيش، وعمل عرائس الكحك والأهم طبعا أن نذهب للفرن لإحضار صاجات الكحك للبيت فيرصوا فيها الكحك ثم نحملها فوق رؤوسنا ونأخذها للفرن ونلعب بجانب الفرن حتى يخبزها وننتظر حتى تبرد ثم نعيدها للبيت، وأحيانا طبعا كنت أتعثر في حجر وأسقط ويسقط معي تعب النساء على الأرض !!!!!
كان الخبز البيتي جميلا جدا والرغيف كبير ومنتفخ ويكون الطعم روعة أول يوم فقط، لكن من ثاني يوم يصبح صعب المضغ ولا نستطيع أكله إلا لو بللناه بقليل من الماء.
وكان اجتماع صناعة المربى يتم عند موسم كل فاكهة، وكنت أذهب مع أمي سوق الخضار في روض الفرج وقتها لشراء أقفاص من فاكهة الموسم لعمل المربى وكانت أمي خبيرة ومبتكرة مربات عديدة.
أما ما كنت آخذه عليها هو تمييزها للولد عن البنت، فبرغم أني كنت آخر العنقود إلا إن أخي الذي يكبرني بعامين هو المدلل وأحلامه أوامر وكل أخطاءه مغفورة لأنه ولد وكل طلباته مجابة لأنه ولد، وأي شيء أنا ممنوعة منه وهو لا ...لأنه ولد !!!!
حتى تمنيت كثيرا في طفولتي أن أكون ولدا وكنت أقص شعري كالأولاد وألبس شورت مثل الأولاد وأتصرف بعنف كالأولاد وكل أصحابي في المدرسة أولاد.... حتى أدركت سخف ما أقوم به وأنا أجيب عن سؤال الناس المتكرر إنتي بنت ولا ولد؟؟
- بنت طبعا بس كان نفسي أكون ولد.
وطبعا كانت كلمات الإطراء التي أسمعها من الناس حافزا لي أن أعتز بكوني بنت وأحب الأنثى التي خلقني الله عليها.
*******
وكانت أمي مثل نساء الحضارات
تهز المهد بيد ....
وباﻷخرى تبني اﻷهرامات
كانت تبني وﻻ تهد. ...
حقا كانت أمي....
صانعة المعجزات
سوسن سحاب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق