أنا من القاهرة
أنا من القاهرة
20- مرسى مطروح
كنت أبحث عن أحد الكتب في مكتبتي، فعثرت على كتاب آخر فتح لي خزانة الذكريات، فعدت لأوائل التسعينات....
كنت في الجامعة وقد أهداني أحدهم كتاب (عصفور من الشرق) للكاتب الكبير توفيق الحكيم. .
في تلك الأيام دعانا خالي لقضاء العطلة الصيفية مع أسرته أنا وأختي وفاء المحامية ...
أعددنا أغراض السفر وعلمت أن الرحلة ستسغرق أكثر من ثمان ساعات لذا أخذت معي عدة كتب من ضمنها عصفور من الشرق.
استقلينا القطار من محطة مصر، وكان الطريق طويلا ومملا ولكن الكتب والجرائد هونت من الملل كثيرا...
كتبت على هوامش هذا الكتاب تفاصيل الرحلة من الألف للياء....
ولأول مرة منذ بدأت تدوين قصتي لا أجهد ذاكرتي في العودة للوراء واستحضار الماضي...
فقد وجدت الماضي مسطورا كما سجلت أحداثه بيدي وقتها.
وكل ما سأفعله الآن أن أنقل ما كتبته على هوامش الكتاب برقم الصفحة....
الثلاثاء 5 يوليو الساعة 8:30 ص
قطار مطروح
طريق مصر الأسكندرية
صفحة 19
كنت أظن أني لم أقرأ هذه الرواية من قبل لكنني بمجرد قراءتي لأول صفحتين تذكرتها، ولكني فقط كنت قد نسيت العنوان لأنني قرأتها منذ زمن طويل.
الثلاثاء 5 يوليو الساعة 9:00 ص
صفحة 31
لا استطيع التركيز مع أحداث الرواية، أشعر بألم شديد في رأسي لأني لم أنم الليلة الماضية.
الثلاثاء 5 يوليو
الساعة 10:15 ص
صفحات 43، 44، 45
منذ وقت أبحث عن باقي أقلامي الأزرق والأحمر والأخضر ، فشلت كل محاولاتي في العثور عليهم
في الغالب قد نسيتهم في القاهرة
القلم الذي يريحني نفسيا عند الكتابة - شكلا وموضوعا- هو اللون الأحمر، فهو لون يعبر عن الصدق والصراحة والوضوح الشديد، كما يعبر أيضا عن الثورة داخل الإنسان وعن المشاعر الفياضة، كما أني قرأت يوما أن اللون الأحمر يعتبره القدماء لونا واقيا من الشر.
ولكن الشيء الذي ألاحظه على نفسي...أني عندما أكون سعيدة جدا فإني أرتدي اللون الأحمر .
الثلاثاء ه يوليو
صفحة 62
دخلنا طريق مرسى مطروح، وكان طريقا طويلا شديد الرتابة، وخصوصا لأني أجلس وحيدة، فأختي نائمة بجواري وتقريبا كل الناس نيام، ولكني استمع الآن بالصدفة إلى أغاني محمد فؤاد وهذه الاغاني تذكرني بحفل زفاف كنت مدعوة فيه بالأمس..
نحن الآن نمر بشاطئ سيدي عبد الرحمن وفي طريقنا لاستراحة العلمين.
الثلاثاء 5 يوليو
صفحة 73
مازال الطريق مملا لدرجة أني فكرت -درأ للملل- في عد فلنكات قضبان السكة الحديد.
ومازلت لا أستطيع النوم ولا أستطيع القراءة.
اقتربنا من الاستراحة وقبل أن نصل تحدث إلى أختي شاب يجلس بجوارنا، فلم أعره التفاتا.. ثم بعد ذلك عرفتني أختي عليه واتضح أنه وكيل نيابة منتدب إلى مرسى مطروح ولديه بعثه إلى فرنسا بعد عدة أشهر، وبعد ذلك فاتح أختي في رغبته في الزواج مني والسفر معه إلى فرنسا.
ولا أعرف ما هذه السرعة العجيبة التي دعته إلى اتخاذ هذا القرار وطلبت أختي أن أقول رأيي المبدئي فيه فقلت لها : بالرغم من أن آخر ما أنظر إليه في الرجل هو ملامحه أو مظهره، ولكني قلت لها رأيي فيه بأني لا أحب الرجل الأشقر ذو العيون الملونة، بالرغم من أنه صعيدي الأسرة لكنه كان يشبه الأجانب....
الثلاثاء 5 يوليو
الساعة 12:00 ظهرا
صفحة 82
كنت أأمل أن أنتهي من قراءة أكثر من كتاب في هذا الطريق الطويل ، لكني مازلت في منتصف الكتاب الأول...
لا أعرف ماذا حدث؟؟ أشعر هذه الأيام بأحاسيس غريبة، أحاسيس تطرق بابي لأول مرة.... أحاسيس لذيذة كإحساسي بعصفور يلتقط الحب من راحة يدي، أو كإحساس الداخل مكان بارد بعد أن لفحته أشعة الشمس الحارقة !!!!
الثلاثاء 5 يوليو
الساعة 12:45 م
صفحة 92
نحيت رواية عصفور من الشرق جانبا وقرأت قليلا في مجلة صباح الخير ( مجلة القلوب الشابة والعقول المتحررة) كما يكتبون على الغلاف.
وقرأت "شيء ما" للكاتبة نادية عابد، التي كنت أعشق كتاباتها وأشتري المجلة كل أسبوع خصيصا من أجلها، ثم بعد ذلك كانت الصدمة عندما علمت وتأكدت أن نادية عابد هي نفسها الكاتب الصحفي مفيد فوزي !!!!
الثلاثاء 5 يوليو
الساعة 1:30 م
صفحة 104
أخيرا وجدت القلم الأزرق، دائما يتوه مني هذا القلم....
دخلنا حدود مطروح وباقي لنا حوالي نصف ساعة على الوصول.
الثلاثاء 5 يوليو
الساعة 2:00 م
صفحة 109
وصلنا مطروح، وقف القطار في المحطة وكان ينتشر فيها جميع وسائل المواصلات من عربات النقل والنصف نقل والميكروباص والأتوبيسات والموتيسكلات والتريسكلات والعجل وعربات الحنطور بالإضافة إلى الكارو، وكان الباعة الجائلين ينتشرون في كل مكان ليبيعون كل شيء، ولكن أهم سلعة كان عليها إقبالا شديدا ووجدت تجمعات كبيرة من الناس تلتف حولها كانت خراف العيد.
ويوجد في مطروح وسيلتين للمواصلات هما الطفطف وعربات الحنطور.
الثلاثاء 5 يولو
الساعة 3:10 م
صفحة 111
بعد عناء وبحث مضني وجدنا العنوان الذي ينزل فيه خالي وأسرته، وما أن وصلنا حتى استقبلونا بالترحاب الشديد كعادة زوجة خالي في استقبال ضيوفها، ولكن وجدنا البيت الصغير ذو الثلاث غرف يكتظ بالزوار من أقارب زوجة خالي الذين جاءوا من القاهرة أيضا لقضاء المصيف !!!!!
والأطفال يركضون في الصالة الصغيرة فيصطدمون بنا في الذهاب والجيئة.
ووجدت أننا لن نستطيع النوم وقوفا حتى، وقلنا لخالي لن نستطيع البقاء وسنذهب لأي فندق فغضب واعترض على الفكرة وقال: حتناموا معانا هنا ، دي حتى حصيرة الصيف واسعة !!!!!
قضينا اليوم معهم ثم نمنا من التعب على مراتب على الأرض (على حصيرة الصيف الواسعة).
الأربعاء 6 يوليو
الساعة 11:00 ص
صفحة 114
خرجنا لنكتشف المدينة قبل أن نقرر ماذا سنفعل، أخذنا الطفطف وشرح لنا السائق تاريخ المدينة باختصار وقال أن المدينة تمتاز بشواطئها الساحرة المختلفة عن شواطيء مصر كلها ، ومنها شاطيء الأبيض وشاطيء عجيبة وشاطئ روميل وشاطئ كليوباترا أو حمامات كليوبترا (الذي قيل أن الملكة كليوبترا كانت تستحم فيه) وشاطئ الغرام (الذي سمى على اسم فيلم ليلى مراد شاطيء الغرام) وشاطئ النخيل وشاطئ الفيروز وشاطئ باب البحر وشاطئ مبارك وشاطئ العوام وشاطئ الليدو وشاطئ مينا حشيش وشاطئ علم الروم
وأخذنا السائق في جولة إلى بعض الشواطيء ثم نزلنا لشاطيء الأُبَيـِّض ....
بالرغم من ذهابي لمعظم الشواطيء المصرية تقريبا، لكني لم أر شاطئا بهذا الجمال والهدوء والرومانسية....
الأربعاء 6 يوليو
الساعة 2:00 م
صفحات 127- 131
شاطيء عجيبة
قد قلت من قبل أنني لم أر مثل شاطيء الأبيض ولكن عندما رأيت شاطيء عجيبة أيقنت أنه لا ولن يوجد شاطيء في العالم يمكن أن يضاهي هذا الجمال !!!!
فألوان الماء تتدرج من الأبيض مرورا باللون الفيروزي ثم الأورق الفاتح ثم الغامق وكل سحر هذا اللون الأزرق بدرجاته يمر بين جبلين من الصخور التي تتشكل أشكالا غريبة عجيبة، جعلتها كأنها بيوتا صغيرة أو كهوفا كثيرة متلاصقة، وعندما مررنا بها وجدناها تحتضن محبي الوحدة والاختلاء بأنفسهم.....
الأربعاء 6 يوليو
الساعة 5 عصرا
صفحات 132- 134
بالأمس حلمت أنني وأختي ننزل جبلا ثم يوجد بعد هذا الجبل بحرا ...
واليوم بعد أن جئت هنا إلى شاطيء عجيبة قلت سبحان الله فقد تحقق الحلم كما هو الحال مع معظم أحلامي، فطريق الوصول للشاطيء لابد أن ننزل أحد الجبلين الذي ذكرتهما من قبل، ويوجد ممر طويل مدرج يؤدي إلى أسفل يستخدمه الناس للنزول للشاطيء أو الصعود للشارع ، وبعض الشباب مثلنا يستخدمون الجبل مباشرة في التسلق نزولا وصعودا كما فعلت أنا ، والأمر لا يخلو من بعض الخطورة خصوصا في النزول فأحيانا تنزلق الصخور تحت قدمي، ولكنها متعة في حد ذاتها أن تشعر بقليل من الخطورة.
وقد أنتجت السينما أجمل الأفلام العربية وأشهرها في مرسى مطروح، وأشهر قفشات الأفلام المصرية (أحمااااااااااااد - منااااااااااااا) لشادية وصلاح ذو الفقار أغلى من حياتي كان على شاطيء مطروح
ولا ننسى فيلم شاطيء الغرام ليلى مراد وحسين صدقي الذي سمي الشاطيء على اسمه
«يا ساكني مطروح.. جنيه في بحركم، الناس تيجي وتروح وأنا عاشقة حبكم».. كلمات تغنت بها الفنانة الشهيرة ليلي مراد وهي تجلس على إحدى صخور شواطئ محافظة مطروح خلال فيلمها الشهير «شاطئ الغرام»
الأربعاء 6 يوليو
الواحدة بعد منتصف الليل
صفحة 134
لم أجد متعة كبيرة في هذا المنزل ، فأنا في الرحلات لا أحب الأطفال والدوشة خصوصا في الرحلات الطويلة.
وأيضا لأني لا أشعر بالرغبة في الحديث مع أي أحد، وأول مرة أجدني تواقة للكتابة وخاصة على كتاب وليس الأوراق بيضاء !!!
حدثتني أختي عن رغبتها في السفر إلى القاهرة غدا... ولن أقل إني فرحت، ولكن طرت من الفرحة لأني سأعود غدا إن شاء الله إلى حبي وحبيبتي إلى عشقي الأكبر ومعشوقتي...
بالرغم من كل هذا الجمال حولي لكني لا أستطيع الاستمتاع به، أحس أن شيئا ما ينقصني... ما هو ؟؟ لست أدري.
الخميس 7 يوليو
الساعة 10:00 صباحا
صفحة 139
نزلنا المدينة لحجز تذاكر القطار، ولم نكن قد شربنا الشاي بلبن كعادتنا الصباحية تلك الأيام، ولا حتى تناولنا طعام الإفطار...
اشتريت خبز ( عيش بلدي ) وجبن أبيض وبسطرمة وطعمية ، ثم توجهنا إلى قهوة بلدي لنشرب شايا ونفطر .
عندما ذهبنا للقهوة نظر إلينا الرجال بمنتهى الاستغراب وأعينهم تتابع خطواتنا فاغرين فاههم من الدهشة !!!
فجلسنا أنا وأختي ثم صفقت بيدي للجرسون ليأتي كما هي العادة لطلب القهوجي (النادل) في المقاهي.
ما يلفت نظرك في رجال مطروح هو تمسكهم بزيهم الوطني، فالرجال يرتدون الجلباب والسروال الأبيض وفوقه صديري أزرق اللون أوبني، مفتوح الصدر ومطرز من عند الأكتاف والحواف ....
ولكني لم أر سيدات مطروح أبدا إلا في الصور والمجلات !!!!
تناولنا الفطار والشاي بسرعة وذهبنا الى البيت لأخذ الحقائب ، والتوجه إلى محطة القطار.
الخميس 7 يوليو
الساعة 2:00 بعد الظهر
صفحات 146 - 148
نحن الآن في القطار في طريقنا إلى القاهرة، كنا قد وصلنا منذ قليل بعد كفاح مضني من الحمار الذي أوصلنا !!!
فوسيلة المواصلات الرئيسيئة هنا هي العربة الحنطور التي يجرها حمار....
هذا الحيوان الصابر الذي لا أعرف كيف يحتمل كل هذا العذاب الذي يراه طيلة ساعات النهار والليل، وخصوصا أن كل الطرق المؤدية إلى محطة القطار مطالع ، وفي كل مطلع كان الحمار يتلقى (علقة ساخنة) ضربا مبرحا من صاحبه !!!!
عرفت بعدها السبب في وصف شدة الضرب الذي يتلقاه شخص ما بأنه ( أخد علقة ما أخدهاش حمار في مطلع) !!!!
وكنت كلما ركبت الحنطور لابد من عمل مشكلة مع أي أحد يعذب حماره الذي يخدمه ولولاه لعمل الرجل بنفسه في جر العربة!!!!
وكنت كلما ركبت الحنطور لابد من عمل مشكلة مع أي أحد يعذب حماره الذي يخدمه ولولاه لعمل الرجل بنفسه في جر العربة!!!!
المهم وصلنا القطار وكان على وشك التحرك، كأنه كان بانتظارنا.
جلست على الكرسي وبدلت وضع الكرسي الذي أمامي لأنه خاليا فأصبح الكرسيان متواجهان فوضعت قدماي على الكرسي المواجه وأسندت رأسي للخلف داعية الله أن نصل بالسلامة.
الخميس 7 يوليو
الساعة 5 مساء
الصفحات 163- 166
كل فتاة تحلم برجل تكمل حياتها معه، رجل تحبه وتقدره، رجل - على الأقل في نظرها- يجسد المعنى الأكمل للرجولة....
ومن منطلق إيماني بأن داخل كل رجل طفل، فإني أريد أن أخرج الطفل الكامن في أعماقه فأداعبه وأهدهده وأمسح دموعه إن جاءني باكيا، وأهديء صياحه إذا جاءني شاكيا أن أحدهم كسر لعبته أو خطف دميته فأسرع لأشتري له لعبة أخرى, يرجوني أن أحكي له حكاية قبل النوم فأحكيها له، يطلب كوبا من الماء فآتيه به، فيسألني بعض الدفء لأن الطقس باردا، فأحتويه في أعماقي كما تحتضن المحارة اللؤلؤة....
الخميس 7 يوليو
الساعة 7 م
صفحة 177
مازلنا في القطار، ولا أدري لماذا يسير بهذا البطء، أو هكذا إحساسي به ...
ولكني داخلي إحساس غريب بالراحة لأني في طريقي إلى مسقط رأسي.
نحن الآن نمر بكينج مريوط وبقى على القاهرة حوالي أربع ساعات .
أجمل ما في القطار أن طول الطريق والمسافة جعل من الركاب والمسافرين أصدقاء طريق فتبادلنا الطعام والفاكهة واللب والتسالي.
وجلس بجوارنا رجلا عمره كما قال لي 74 عاما، ولم يبخل علينا بنصائحه الثمينة ، وحكى لنا عن ذكرياته في بلاد كثيرة فهوَّن علينا الطريق قليلا ، وأعارني أحدهم جهاز تسجيل لأسمع فيه بعض الأغاني وكانت البطارية ضعيفة وفوق ذلك لا يوجد غطاء للبطارية، فكانت بين الحين والآخر تسقط على الأرض فكنا ننزل تحت المقاعد للبحث عنها ....
الخميس 7 يوليو
الساعة 7:30 م
صفحة 194
نمر الآن بمنطقة محرم بك الأسكندرية، ولا أستطيع أن أصف روعة منظر الشمس وهي تغرب في البحر، نسير الآن بجوار طريق أسفلت للسيارات، وأعتقد أنه بدأ من هنا فقط، فهذه أول مرة منذ حوالي ست ساعات نرى سيارات بجوارنا.
بعد ذلك وقف القطار أمام مزلقان فمنع مرور السيارات فتكدست طوابير طويلة من السيارات ، ووقتها تذكرت زحام القاهرة الذي بدونه ستفقد القاهرة أهم مميزاتها.
لا أعرف لماذا أشعر كأني غبت عن بلدي ليس ثلاثة أيام كما هو الواقع، بل أشعر كأني غبت شهرا أو سنة !!!!
فالساعات كانت تمر كأنها شهور أو دهور .
الساعة 5 مساء
الصفحات 163- 166
كل فتاة تحلم برجل تكمل حياتها معه، رجل تحبه وتقدره، رجل - على الأقل في نظرها- يجسد المعنى الأكمل للرجولة....
ومن منطلق إيماني بأن داخل كل رجل طفل، فإني أريد أن أخرج الطفل الكامن في أعماقه فأداعبه وأهدهده وأمسح دموعه إن جاءني باكيا، وأهديء صياحه إذا جاءني شاكيا أن أحدهم كسر لعبته أو خطف دميته فأسرع لأشتري له لعبة أخرى, يرجوني أن أحكي له حكاية قبل النوم فأحكيها له، يطلب كوبا من الماء فآتيه به، فيسألني بعض الدفء لأن الطقس باردا، فأحتويه في أعماقي كما تحتضن المحارة اللؤلؤة....
الخميس 7 يوليو
الساعة 7 م
صفحة 177
مازلنا في القطار، ولا أدري لماذا يسير بهذا البطء، أو هكذا إحساسي به ...
ولكني داخلي إحساس غريب بالراحة لأني في طريقي إلى مسقط رأسي.
نحن الآن نمر بكينج مريوط وبقى على القاهرة حوالي أربع ساعات .
أجمل ما في القطار أن طول الطريق والمسافة جعل من الركاب والمسافرين أصدقاء طريق فتبادلنا الطعام والفاكهة واللب والتسالي.
وجلس بجوارنا رجلا عمره كما قال لي 74 عاما، ولم يبخل علينا بنصائحه الثمينة ، وحكى لنا عن ذكرياته في بلاد كثيرة فهوَّن علينا الطريق قليلا ، وأعارني أحدهم جهاز تسجيل لأسمع فيه بعض الأغاني وكانت البطارية ضعيفة وفوق ذلك لا يوجد غطاء للبطارية، فكانت بين الحين والآخر تسقط على الأرض فكنا ننزل تحت المقاعد للبحث عنها ....
الخميس 7 يوليو
الساعة 7:30 م
صفحة 194
نمر الآن بمنطقة محرم بك الأسكندرية، ولا أستطيع أن أصف روعة منظر الشمس وهي تغرب في البحر، نسير الآن بجوار طريق أسفلت للسيارات، وأعتقد أنه بدأ من هنا فقط، فهذه أول مرة منذ حوالي ست ساعات نرى سيارات بجوارنا.
بعد ذلك وقف القطار أمام مزلقان فمنع مرور السيارات فتكدست طوابير طويلة من السيارات ، ووقتها تذكرت زحام القاهرة الذي بدونه ستفقد القاهرة أهم مميزاتها.
لا أعرف لماذا أشعر كأني غبت عن بلدي ليس ثلاثة أيام كما هو الواقع، بل أشعر كأني غبت شهرا أو سنة !!!!
فالساعات كانت تمر كأنها شهور أو دهور .
الخميس 7 يوليو
الساعة 7:45
صفحة 205
الحمد لله انتهيت من قراءة عصفور من الشرق أخيرا... هذه الرواية التي أخذت من وقتي الكثير جدا بالرغم من صغر حجمها، والآن أقرأ أو استرجع قراءة "أحلى 20 قصيدة حب" هذه القصائد كنت أقرأها خلال قراءتي لهذه الرواية، وأكثر ما يعجبني هذه الأبيات لعباس بن الأحنف:
متى يكون الذي أرجو وآمله
أما الذي كنت أخشاه قد كانا
يا ليت من نتمنى عند خلوتنا
إذا خلا خلوة يوما تمنانا
الخميس 7 يوليو
الساعة 10:30 م
الصفحة الأخيرة
نحن الآن في طريقنا إلى محطة مصر فقد مررنا بمدينة رشيد ثم كفر الزيات ودمنهور وطنطا وبنها.
وبالرغم من طول الطريق إلا أنه كان أمتع من طريق الذهاب لأن رفاق الرحلة كانوا مسليين جدا .
وقد لعبت أختي الشطرنج معهم ثم جاء أناس آخرين من آخر القطار للعب والفرجة، واشتركنا جميعا في مسابقات ذهنية وشعرية، هونت طول الطريق
وقد أتحفني شاب في الثانوية العامة ببيت شعر كله تشاؤم ويأس أول مرة أسمع عنه، ولا أعرف ولا يعرف هو من كاتبه وهو:
حظي كدقيق فوق شوك نثروه...
وقالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه
فقلت له : ( ليه كده يا عم التشاؤم ده كله ؟؟)
الصفحة الأخيرة
الساعة 11:00
رأيت بيتنا من نافذة القطار...
الصفحة الأخيرة
الساعة 11:30
وصلنا بيتنا بحمد الله، فقد وقف القطار فجأة أمام المنزل بالضبط ، فقفزنا من القطار بمساعدة رفاق الرحلة ، ثم ألقوا لنا حقائبنا قبل أن ينطلق القطار في طريقه لمحطة مصر بميدان رمسيس.
لم تكن هذه رحلتي الأخيرة لمرسى مطروح بل ذهبت هناك أكثر من مرة بعد ذلك لمشاهدة هذا السحر مرات ومرات...
وكما قلت في البداية (أهداني أحدهم) وأحدهم هذا كان صديق أخي كتاب ، وكان هذا الشاب يحبني جدا ويريد أن يتزوجني ولكن أمي رفضت بشدة، بدون تقديم أي مبرر!!
بالرغم من شهادة الجميع له بحسن الخلق وكان من أسرة ميسورة يعملون في تجارة الجلود... ولهم معرض في أشهر شارع للجلود في وسط البلد هو شارع ذكي بالتوفيقية.
وكنت أتمنى أن يوافق أهلي ليس حبا في الشخص ذاته بل كي أكون مخطوبة مثل معظم صديقاتي...
وفي يوم رأيت في أحلامي أمي وهي تحمل فوق ظهرها حمل شديدا تنوء بحمله وقد انحنى ظهرها من ثقله!!!
فأحسست أن هذا الحلم رسالة أو علامة لي...
فاعتذرت له عن الخطوبة، وبعد فترة تزوج من أخرى وأنجب ثم أصيب بمرض الكبد الوبائي ( فيروس سي ) وتوفى في ريعان شبابه تاركاً زوجة وطفلين....
رحمة الله عليه...
سوسن سحاب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق