الأحد، 4 فبراير 2018

أنا من القاهرة 13 يا اسكندرية





أنا من القاهرة  

   13-يا اسكندرية يا مجنناني

عندما رأيتها لأول مرة وقعت في غرامها من وقتها ولغاية الآن، ذهبنا مع الأسرة ونزلنا في شاطيء ميامي، في شارع موازي لشارع خالد بن الوليد، هذا الشارع الحيوي الذي كنا نشتري منه الحلويات السكندرية كالهريسة واللديدة في نهاية الرحلة.

ولا يمكن أن تذهب لشاطيء ميامي أو سيدي بشر ولا تقف على بير مسعود وتلقي قطعة من النقود المعدنية وتتمنى شيئا في خاطرك...
فبئر مسعود أو كما يطلق عليه العامة بير مسعود هو عبارة عن فجوة داخل الصخور عمقها حوالي 4 أمتار، وله قناة متصلة به طولها حوالي 5 أمتار تصله بالبحر،
فتغمره مياه البحر، وإذا ذهبت في الشتاء فسترى بير مسعود في أروع صوره ومياه البحر وأمواجه تخرج من فوهته فتجعله مثل البركان الهادر....

وهو يعتبر أحد أشهر المزارات السياحية في الأسكندرية، وذاع صيته من كثرة الأساطير التي نسجت حوله، سواء من حيث تسميته، أو تحقيقه لأمنيات البعض، فبعض الناس يقسمون بأغلظ الأيمان أنهم ألقوا قطعا معدنية من أجل تحقيق شيئ ما ثم تحقق هذا الشيء بعد ذلك.
أما الأساطير التي نسجت حوله تسميته بهذا الاسم فهي كثيره وزادت من غموضه.

فمنهم من قال أنه سمي على عبد حبشي هرب من التعذيب في العصر الفاطمي ونام بجوار البئر وفي الصباح توفى، فاعتبر الناس أن هذا البئر مسعود لأنه أراح الحبشي من التعذيب.

والرواية الثانية أن مسعود صبي صغير هرب من جحيم زوج أبيه ثم وجدوا جثته بجوار البئر فسموه على اسمه

 والرواية الثالثة أنه أول صعيدي جاء للمنطقة هاربا من الثأر ومكث قرب البئر وعندما اكتشفوا أمره قتلوه ،وأطلق الناس اسمه على البئر.

 ومنهم القائل بأنه كان رجلا صالحا اسمه الشيخ مسعود أتى كي يتقرب من سيدي بشر وكان يذهب إلى البئر للتعبد والتأمل وذكر الله، وعندما مات سموه باسمه.

أما الرواية الخامسة فهي أن مسعود كان تاجر مخدرات وكانت الشرطة تطارده فقفز داخل البئر ومات على الفور، ولم تتمكن الشرطة من العثور على جثته فأطلق الناس اسمه على البئر....
وحكايات أخرى كثيرة من نسيج خيال الناس زادت الأمر تشويقا وغموضا....

أما بالنسبة لنا كأطفال فكان لدينا اعتقاد يصل لحد اليقين أن أقصى أمانينا يمكن تحقيقها بمجرد إلقاء قطعة نقود معدنية في البئر، وكان كل مصروفنا في الإجازة يذهب على أم الخلول والفريسكا وبئر مسعود.
 
كانت شوارع اسكندرية كلها متقاطعة على البحر ومتجهة لأسفل ، فعندما تأتي من نهاية الشارع تجده كأنه منزل وترى البحر من بعيد من آخر الشارع...
كان حلم أهل القاهرة أن تشاهد أعينهم الأسكندرية وساحلها الذي يمتد طوله لحوالي 32 كيلومتر من أبي قير حتى بحري...
كانت متعة حقيقية أن تركب الأتوبيس وتجلس بجوار الشباك تجاه البحر وتمتع ناظرينك برؤيته وتغمض عينيك وأنت تحاول اختزان أكبر قدر من الجمال... 
 
بعد أول مرة ذهبنا للأسكندرية، لم نرض عنها بديلا وأصبحت هي وجهتنا كل صيف... ولكن كل سنة كنا نذهب لشاطيء مختلف من شواطئها فمرة أبوقير، ومرة ميامي، ثم المندرة وستانلي والمعمورة والمنتزه....
وفي كل مرة لم تتغير طقوس الرحلة في الصغر عن الذهاب للشاطيء صباحا والظهر لسوق السمك ، والعصر نذهب البجر مرة ثانية وفي المغرب نخرج لأي فسحة مثل مسرحية أو السيرك، أو حتى نذهب لأكل الجيلاتي عند جيلاتي عزة أو صابر، أو نأكل رز بلبن أو أحلى بليلة في التاريخ عند الشيخ وفيق في بحري...ولابد أن أذهب مع أمي لمسجدي المرسي أبو العباس والبوصيري.

 كان أهم شيء في الطفولة هو نزول البحر والأكل ونزول البحر ثم الأكل ...
كانت اسكندرية فاتنة المدن وساحرة المصايف لكن أكثر شيء كان يسيء للمنظر العام هو المصطافين الذين ينزلون البحر بملابسهم الداخلية وأعتقد أنهم فهموا خطأ جملة (لباس البحر) ، والأدهى والأمر أنهم يتجولون بهذه الملابس الداخلية في شوارع الأسكندرية والبعيدة جدا عن البحر.....

وعندما كبرت وأصبحت أذهب للأسكندرية مع إخواتي أو صديقاتي أو رحلات الجامعة، فأصبحت لي طقوسي الجديدة أيضا التي لم أغيرها ، وهي المشي على الشاطيء في المعمورة أو المنتزه أو ستانلي ، والذهاب لملاهي المعمورة ليلا.

كنت أعشق قلعة قايتباي ويمكن أن اقضي اليوم بطوله داخل غرفة من غرف القلعة أجلس على الشباك العريض ناظرة إلى البحر....

أول مرة أذهب للأسكندرية مع الجامعة ، كان شيئا غير اعتياديا في البيت، وعُقِدت الاجتماعات .... وذلك لأنها المرة الأولى التي سيكون فيها مبيت خارج المنزل في هذه الرحلة !!!!
فعلى مدار دراستي في كل مراحلها، لم تفوتني رحلة واحدة !! كنت أذهب جميع الرحلات حتى لو كان المكان زرته أكثر من مرة، وبالطبع كانت كلها رحلة اليوم الواحد أو نصف اليوم .... لكن أول رحلة للأسكندرية مع الجامعة كان هناك مبيت لليلتين !!!!
وبعد الاجتماع العائلي لأخذ الموافقة ، كانت الموافقة مشروطة أن تذهب أمي معي للرحلة....

وبالفعل ذهبت معي واستمتعت جدا واطمئنت أن الشباب والبنات في منتهى الاحترام.
كان فندق الإقامة هو فندق سيسيل القديم بطرازه الإيطالي الرائع، وكان الشباب معهم طبلة ودف وكانوا يستخدمونهم في إيقاظنا ( بديل للمنبه) ، وأول مرة أعرف معنى الجملة (ده ما يصحاش ولا بالطبل البلدي !!!!)

كانت رحلات الجامعة إلى الأسكندرية في وقت الشتاء فقط وما أن رأيتها في الشتاء مرة حتى أدمنت الذهاب إليها شتاءً كل ما تحين الفرصة، كنت أعشق المشي تحت المطر في شتاء اسكندرية (وأحيانا الجري إذا كان معي أصدقاء مجانين مثلي)، ولكن عندما يشتد المطر جدا (النوة كما يسموها أهل اسكندرية ) فإنه يجبرنا على البقاء في الفندق.
كان أجمل شيء في صيف اسكندرية انك كنت تعرف كل الجديد في عالم الفن وتستمع لكل نجوم الغناء المتواجدين على الساحة....

محمد منير والليلة يا سمرا وعمرو دياب راجعين ومحمد فؤاد في السكة كانوا شعلة المصيف، وأول مرة سمعت إيهاب توفيق (داني) كان في المعمورة أيضا.

كان مطعم سان جيوفاني بجوار كوبري ستانلي من أجمل المطاعم وألذها إلى الآن وهو جزء من رحلتنا إلى الأسكندرية كل مرة....
وأحيانا كنا نشد الرحال اليه من القاهرة لنتغدى فيه ونعود آخر النهار.
طبعا بالإضافة لأشهر مطاعم السمك هناك ...

أجمل شيء في اسكندرية ان في كل مكان فيها تم تصوير فيلم سينمائي، وكنت أعشق المشي بين الأشواك ، أقصد المشي بين أشجار المنتزه  حيث غنى عبد الحليم حافظ (مشيت على الأشواك)، وكشك الموسيقى الذي صورت فيه وردة الجزائرية أحد أفلامها

كوبري المنتزه هو ملتقى العشاق وقبلة الحبـِّيبة، كنت أحب المشي عليه أنا وصديقتي الإماراتية، وكنا نحب الجلوس على الصخور حيث تضربنا الأمواج وينعشنا رذاذ ماء البحر، وكانت الصخور دائما لزجة من أعشاب البحر وعندما أمشي كنت أتزلج وأقع الأرض، فتمسكني صديقتي وتحاول ايقافي فتقع هي الأخرى، فأقف وأمسك يدها لأساعدها فأقع وظللنا على هذا الحال حولي نصف ساعة من الوقوف والوقوع والضحك الهستيري....




وعلى شطك يا اسكندرية
أتمشى أنا وصاحباتي
ناكل سمك في بحري
وفي جليم أحلى جيلاتي
يا حبيبتي يا ماريا
يا خزينة ذكرياتي

وسحر الماضي والآتي
وعشق كل السنين

سوسن سحاب


سوسن سحاب





 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق