ملــــكة الذكـــاء والدهــــاء
بقلم: سوسن سحاب
لم يعرف التاريخ إمرأة أو ملكة لها قوة ورباطة جأش ودهاء مثل بلقيس...وقد ورثت الملك عن أبيها الذي لم ينجب الولد الذكر, فاستنكر أشراف قومها أن تتولى إمرأة أمر مملكتهم المترامية الأطراف.
خطة ذي الأذعار
وانتهز الطامعون في مملكة سبأ هذه التولية الأنثوية ومنهم الملك "عمرو بن أبرهة" الملقب بذي الأذعار...الذي حشر جنده وتوجه للاستيلاء على مملكة سبأ وملكتها بلقيس، ولما علمت بلقيس بخطة ذي الأذعار استخفت في ثياب إعرابي ولاذت بالفرار, ثم عادت بعدما عمَّ الفساد وقررت تخليص قومها من شر ذي الأذعار، فأرسلت إليه وطلبت منه أن يتزوجها... وعندما دخلت عليه استلت سكينا وذبحته!!!!!
قصتها في القرآن
وازدهرت سبأ مع بلقيس التي حاربت أعداءها وحكمت قومها بالعدل والحكمة.
وردت قصتها في سورة النمل الآية20 - 44 ، وقد توعد سليمان عليه السلام الهدهد بالعذاب لتأخره إن لم يأته بعذر, وجاءه الهدهد "أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين* إِنِّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةًۭ تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌۭ* وجدتُّها وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّه".
اختبار الهدهد
فأراد سليمان اختبار صدق الهدهد "سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين" فأرسله إلى بلقيس بكتابٍ يدعوهم لطاعة الله "إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم* ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين".
سليمان يرد الهدية
وتعجبت بلقيس من الرسالة ومرسلها, وشاورت قومها لكنهم اغتروا بقوتهم واقترحوا الحرب "قَالُوا۟ نَحْنُ أُو۟لُوا۟ قُوَّةٍۢ وَأُو۟لُوا۟ بَأْسٍۢ شَدِيدٍۢ" ولكن حكمتها غلبت غرورهم "قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا۟ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا۟ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةًۭ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ* وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍۢ فَنَاظِرَةٌۢ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ", فأرسلت إليه بأنية من الذهب والجواهر, ولكن سليمان توعدهم "فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَـٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍۢ فَمَآءَاتَانِ ٱللَّهُ خَيْرٌۭ مِّمَّا ءَاتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ* ٱرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍۢ لا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ أَذِلَّةًۭ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ", فأيقنت بلقيس بعظمة سليمان وسلطانه فجمعت جنودها وحرسها قاصدة سليمان ببلاد الشام.
من يأتي بعرشها؟؟
وطلب سليمان من جنوده أن يأتوه بعرشها "قَالَ عِفْرِيتٌۭ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ" أي يأتي بعرشها من اليمن إلى الشام في دقائق أو ساعات قليلة!!!! ولكن سليمان استبطأه وأراد الأسرع "قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌۭ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُك" وهو آصف بن برخيا كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب, فقال له انظر إلى السماء فنظر إليها ثم رد بطرفه فوجد العرش موضوعا بين يديه "فَلَمَّا رَءَاهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّى لِيَبْلُوَنِى ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّى غَنِىٌّۭ كَريم".
"كأنه هو"
"قَالَ نَكِّرُوا۟ لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِى أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ" فأمر أن يغير بعض صفاته ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته, "فلما جاءت قيل أهكذا عرشك" فكانت ذات ثبات وعقل ودهاء وحزم فلم تؤكد أنه هو لبعد مسافته عنها ولا أنه غيره لما رأت من آثاره وصفاته وإن تبدل ونُكِر فقالت "كأنه هو" أي يشبهه ويقاربه وهذا غاية في الذكاء والحزم.
ساقي بلقيس
وأراد سليمان زواجها وذُكِر له جمالها وحسنها لكن قيل له إن ساقيها وقدميها كقدمي الحمار....فأمر الشياطين فبنوا لها قصرا عظيما من زجاج شفاف تحته ماء عذب يجري فيه السمك فلما دخلته ظنته ماء وكشفت عن ساقيها لتخوضه, وكان سليمان على سريره في صدر الصرح فرأى ساقيها وقدميها حسانا, ولكنه كره شعر ساقيها فعملت له الشياطين النورة فأزالته بها.(وكانت أول من أزالت الشعر في التاريخ)...
أسلمت مع سيلمان
واهتدى قلبها واستنار فعرفت أن الإسلام لله ليس استسلاما لأحد من خلقه....وأعلنت إسلامها - مع سليمان-لا لسليمان ولكن لله رب العالمين "قالَتْ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَـٰنَ للهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ" وتزوجها وأحبها وأقرها على ملكها وكان يزورها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام وانقضى ملكها بانقضاء ملك سليمان.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق