تحويل القبلة في نصف شعبان
بقلم: سوسن سحاب
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾
قبل الهجرة، كان النبي ﷺ والمسلمون يُصلّون إلى بيت المقدس في الشام، وكانت الكعبة بينهم وبين الشام، فكانوا يستقبلون القبلتين معًا. ولكن بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، أصبح المسلمون يستقبلون بيت المقدس، بينما صارت الكعبة خلفهم، ففرحت اليهود بذلك.
وقد استقبل النبي ﷺ بيت المقدس بضعة عشر شهرًا، وكان يودّ أن تكون الكعبة قبلته، لأنها قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، ولأن اليهود توهّموا أن المسلمين قد تبعوهم حين توجهوا إلى بيت المقدس، وحاولوا إقناع الرسول ﷺ بالبقاء على تلك القبلة باعتبارها مهبط الأنبياء. إلا أن النبي ﷺ لم يأبه لهم، وكان يرفع بصره إلى السماء متطلعًا إلى أمر الله، يرجو أن يُولِّيه الكعبة.
فنزلت الآيات الكريمة بما يحب رسول الله ﷺ ويرضى، قال تعالى:
﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (البقرة: 144).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال رسول الله ﷺ:
«البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي».
وذكر كثير من المفسرين أن آية تحويل القبلة نزلت على رسول الله ﷺ وهو في مسجد بني سَلِمة، وقد صلى ركعتين من صلاة الظهر متجهًا إلى بيت المقدس، ثم أُمر بالتوجه إلى الكعبة فأكمل صلاته إليها، فسُمِّي المسجد منذ ذلك الحين بـمسجد القبلتين. وكان تحويل القبلة في نصف شعبان من السنة الثانية للهجرة.
وقد تم تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام (الكعبة) في النصف من شعبان من السنة الثانية للهجرة (الموافق تقريبًا يناير 624 م)، وذلك بعد مرور 16 أو 17 شهرًا من هجرة النبي ﷺ إلى المدينة المنورة، أثناء صلاة النبي ﷺ في مسجد بني سلمة، الذي عُرف بعد ذلك بـمسجد القبلتين.
وقال عمارة بن أوس رضي الله عنه:
«بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس، ونحن ركوع، إذ نادى منادٍ من باب المسجد: ألا إن القبلة قد حُوِّلت إلى الكعبة.
قال: فأشهد على إمامنا أنه انحرف، فتحوّل هو والرجال والصبيان وهم ركوع نحو الكعبة». وقال رجل: إن النبي ﷺ قال:
«أولئك رجال آمنوا بالغيب».
وعند الأحداث العظام تظهر معادن الناس؛ فالمؤمنون قالوا: سمعنا وأطعنا. أما اليهود والمنافقون، فكالعادة، أشعلوا نار الفتنة، وقالوا إن المسلمين متحيّرون لا يعرفون قبلة ثابتة، فتارة يستقبلون الكعبة وتارة بيت المقدس.
فردّ عليهم القرآن الكريم، ووصَفهم بالسفهاء، وبيّن أن تحويل القبلة كان اختبارًا من الله ليُظهر من يطيع الله ورسوله ممن ينقلب على عقبيه، قال تعالى:
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا...﴾
(البقرة: 142–143).
وسأل رجل: وددنا لو علمنا حال من مات قبل أن نُحوَّل إلى القبلة الجديدة، وكيف كانت صلاتهم نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى قوله:
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
(البقرة: 143).
وفي الصحيح، أن امرأةً من السبي فُرِّق بينها وبين ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيًا من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تبحث عن ولدها، فلما وجدته ضمّته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله ﷺ:
«أترون هذه طارحةً ولدها في النار وهي تقدر على ألا تطرحه؟»
قالوا: لا يا رسول الله.
قال: «فلله أرحم بعباده من هذه بولدها».
الكلمة الأخيرة:
قال الله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
(البقرة: 115).
بقلم : سوسن سحاب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق